ها قد انتهى عام دراسي آخر، و ها قد بدات عطلة صيفية أخرى ... لتُفتح امامنا ابواب المتعة و المرح كمايُقال ...
كنّا نتوق لليوم اللذي نودع فيه الاصدقاء و المعلمات لنتوجّه لبيوتنا و في أذهاننا ملايين الافكار المتخالجة و آلاف الخطط..(ها قد بدأت العطلة أخيرا... نعم لقد تحررنا من القيود التي كبّلتنا تسعة اشهر ... سيتسنّى لنا فعل ما يحلو لنا... لن يكون علينا ان ندرس بعد اليوم لثلاثة اشهر... سنستمتع... سنفعل كذا و كذا.. أخيرا ) ، كل هذه الافكار تتجمع في عقولنا السعيدة بالعطلة التي طال انتظارنا لها ... و لكن من أين ... ها قد مضى شهر على العطلة ... و ها نحن ذا نسهر طوال الليل و ننام طوال النهار ... و خططنا المسكينة لامُنفّذ لها ... لا منقذ لها يُخرجها من الحفرة التي انحفرت داخل عقولنا ... لا مخرج لها يبعدها عن جدران الفراغ و الملل اللتي حاصرتها من كل حدب و صوب ... الخطط اللتي استبدلناها بالتلفاز و الانترنت و كل هذه الاشياء اللتي تخلو من الفائدة ، يا ترى متى ندرك الفراغ اللذي نعيش فيه ... و نفكّر في خططنا المحبوسة لنحررها و نطلق لها العنان لتبصر النور ، و تملأ لنا العطلة بالفائدة و المتعة.
طفوف
السرعة ليست بالقلم بل في الإنسان وكذب من قال انه اكتسب من القلم سرعة
إهداء ..
إلى جدتي التي افتقدها...
لازال أحفادك يبكونك...
وتراب قريتك ينعاك...
"طفوف الرياش"
ما إن دخلت تلك الغرفة ورأيت زاويتها فارغة، تراءت لي صور الماضي البعيد القريب وهي منكبة على تلك الكتب وبجانبها حقيبتها المنتفخة تلتقط قلماً تارة ومبراةً تارة أخرى ، والبسمة أضاءت وجنتين خطتهما تجاعيد الكبر.
تذكرت أطفال هنا وهناك يحيطون بها كأنهم نجومٌ حول قمر في ليلة صافية، يسألها هذا عن مبهم في واجبه المدرسي فتجيب " لم أدرس هذا يوماً" رغم أنها ما عرفت المدرسة قط ، فهي أميةٌ مثقفةٌ بالحنان.
لطالما سمعنا حكايا عن ماضيها ... حكايا اسراجها قناديل تضيء ليل العاملين في بناء مسجد القرية ... القرية التي كانت هي ملاذ ساكنيها . كيف دخلت القرية؟ كيف ترعرعت؟ وكيف أصبح ذلك البيت بيتاً، ملجأً، مدرسة ومنزلاً للمسنين حتى خلته كوكب الأرض.
قيل لي أنها دخلتها وهي في ربيعها الثاني عشر، لتملأها حناناً وعطفاً ... تأوي فيها على مر السنين هذا وذاك، طفلاً كان ام كهلا.
كم سمعتها تستذكر وزوجها حكاية ذلك الشيخ المسن الذي راعها إهانة صبية القرية له، ليقف داعياً راجياً ربه بالفرج فإذا بتلك المرأة تفتح جدار بيتها وباب قلبها ليكون ممرا له وكأنها هي الملاك المرسل له.
حيرتني كثيراً تلك الحكاية وتأملتها وكأنها الوحيدة وإذا بي في بحر من القصص والروايات، كل واحدة أعجب من الأخرى. فهذا يحكي موقفاً وذلك ينسج حكاية وتلك تأسرني برواية أخرى وأنا ضائعة لا أدري أيها أدرك أو أيها استوعب.
قصة عيسى ... الذي آوته طفلاً يتيماً، حتى اشتد عوده، وكلما زارها رأينا عيناه مغرورقتان بالدموع حباً وامتنانا.
آه ...يازوايا بيتك اليتيمة...أتذكرين فاطمة الخرساء، التي كانت تجالسها ساعات طوال دون كلل أو ملل تحاول فك رموز ... لحديث بلا مفردات.
كل مسن وحيد في تلك القرية تجده في ضيافتها ليس ليوم أو اثنين وإنما حتى يسلم أمانته ويرتحل إلى ربه حاملا معه دعاءً لها بالتوفيق.
ويروي لنا شباب تلك القرية عن مدرسة بلا مدير ولا حارس بل هو بيت تلك المرأة يتدارسون فيه مع بعضهم البعض وعن سيدة كانت اتخذتهم لها أبناء. كل ولد وبنت من أولادها له أخ بالرضاعة حتى سألت هل يعقل هذا؟!
فقالت: " ولم لا أليس ذلك رزق من الله" وكأنها أرضعت كل أطفال هذه القرية الوادعة.
وكلما تكلمت عن أمها تخالجت الأسئلة في خاطري أوَ بعد كل هده السنين لازالت تتذكرها وتصب عليها الدموع حسرةً وألما؟! فتجيبني بحشرجة لازلت أسمعها إلى الآن " لملمت أشلاءها واحتضنتها علني أدرك ما تبقى لها من حياة، لكن هيهات" . في مثل هذه الزاوية اكتشفنا سر صبرها العظيم وحنانها اللا متناهي فما لديها إذاً هو إرث من والدتها العظيمة.
وغابت جدتي وغاب جسدها في الثرى، وشيعتها اكف محبيها وبكتها دموع من عرفها أو سمع عنها لكن روحها ظلت محلقة في عيون الجميع، فما أن تسأل عن قصتها حتى ترويها دموع المحبينِ .
قررت وزوجتي المصونة (دلال) أن نبدأ مدونة جديدة ندون فيها بصورة جماعية مقالاتنا وافكارنا وندع ابنتي طفوف ذات القلم المتميز ان تنشر ما تكتب ونحاول ان نقنع ابوعلي (حسن) ان يتصدق علينا !!! بفقرات ندونها ها هنا.




